المعلم والتعليم

لا شك أن المعلم حجر الزاوية في العملية التعليمية، وهو ركن لا يمكن الاستغناء عنه أو التقليل من دوره الحيوي رغم اننا نعيش عصر ثورة المعلومات وشبكات الاتصال حيث يتم التركيز على التعلم الذاتي والتعليم الالكتروني والاستخدامات المذهلة للكمبيوتر

في عالم يقدم البدائل التعليمية ويسهل تقديم المعرفة وانتاجها، خصوصا مساعدة العاجزين والمعاقين لكي يتعلموا في منازلهم من خلال وصلات الكترونية ضابطة بين المتعلم في منزله ومدرسته أو جامعته. كثيرون في هذه الأجواء يرون اضمحلال الحاجة الملحة للمعلمين في المدارس والجامعات وبذل الجهد لتدريس المناهج التقليدية ووسائلها العقيمة باعتبار أن تقنيات التعلم المتطورة هي التي سيكون لها المفعول السحري في العملية التعليمية وليس الاستمرار في اعطاء الدروس التقليدية الروتينية المملة من قبل المعلمين، خصوصا وأن تراجع مستوى التعليم يهدر كلفته العالية والتي تزداد يوما بعد يوم، في وقت تزداد الحاجة إلى جودة تعليمية وتنوع في الاحتياجات لم تعد الأنظمة التعليمية التقليدية قادرة على مواكبتها.

إن فكرة تقليل الاعتماد على المعلم، وميكنة التعليم يعارضه التربويون والمختصون في علوم الاجتماع والنفس والسلوك انطلاقا من ان العملية التعليمية لا تعتمد فقط على ما تقدمه الوسائل الحديثة من معارف يتعلمها الطالب، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على التواصل البشري والعلاقات الإنسانية والتأثيرات المتبادلة بين البشر، فلن يكون هناك غنى عن المعلم مهما تقادمت الأعوام وتطورت التقنيات مادام المعلم هو المؤثر الوحيد في الوجدانيات والعواطف والموجه للسلوك وتشكل الشخصية بكل أبعادها ومكوناتها، وهذه مسائل ليس بإمكان التقنيات الحديثة تقديمها.

نحن، مع الأسف، رغم حاجتنا إلى المعلم وإلى تقنيات التعلم إلا اننا لا نعطي اهتمامات كبيرة للمعلم، بل ان واقعنا التربوي يشهد دوره المهمش، فهو لا يشارك في صياغة المناهج، وليس له رأي في تغيير الواقع التعليمي، كما انه مثقل بأعمال ليست بالضرورة تعليمية كالمشاركة الإدارية وكثرة انخراطه في معالجة مشكلات الطالب السلوكية وغيرها. وأكثر العوامل تأثيرا في أدائه قلة الحوافز التي تقدم له، ونظرة المجتمع المتدنية لمهنته، ومعاملته بشكل غير لائق أحياناً من إدارة المدرسة أو أولياء الأمور أو الطلاب، خصوصا الاعتداءات الطلابية المتمثلة في القذف والاعتداء الجسدي.

هذا الواقع المزري لحالة المعلم ينعكس بالسلب على التعليم، بل سمعة النظام التعليمي في البلاد، خصوصا اننا نكرر الحديث في أن المعلم ينبغي أن يُبجل ويُحترم وله قدسية لا يقارن عمله بشيء آخر لأنه يؤدي رسالة نبيلة تتمثل في إعداد الأبناء للمستقبل. وهذا يتطلب المزيد من الرعاية والاهتمام به من خلال تقديم كل ما من شأنه رفع مستواه التربوي والعلمي واشراكه في اتخاذ القرار، وتقديم الصلاحيات الكاملة لما يقوم به من مهام من دون تدخلات ورقابة وتفتيش لدرجة إحساسه بأنه مراقب في كل أفعاله ومحاسب على كل خطواته. ان التدريس الجيد لا ينجح في غياب معطيات أساسية مثل الاستقلالية الفكرية المهنية، وتقديم الوسائل التي ترفع من مستوى الأداء مع ترقية النظرة المجتمعية تجاه رسالة المعلم السامية.